السيد كمال الحيدري

332

اللباب في تفسير الكتاب

وطائفة ثالثة وهم العلماء بالله لا يعبدون الله خوفاً من عقابه ولا طمعاً في ثوابه ، وإنّما يعبدونه لأنّه أهلٌ للعبادة ، وذلك لأنّهم عرفوه بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، فعلموا أنّه ربّهم الذي يملكهم وإرادتهم ورضاهم وكلّ شئ غيرهم ، ويدبّر الأمر وحده وليسوا إلّا عباد الله فحسب ، وليس للعبد إلّا أن يعبد ربّه ، ويقدّم مرضاته وإرادته على مرضاته وإرادته ، فهم يعبدون الله ولا يريدون في شئ من أعمالهم فعلًا أو تركاً إلّا وجهه ، ولا يلتفتون فيها إلى عقاب يخوّفهم ولا إلى ثواب يرجّيهم ، وإن خافوا عذابه ورجوا رحمته . وهؤلاء هم المقرّبون الفائزون بقربه تعالى ، إذ لا يحول بينهم وبين ربّهم شىءٌ ممّا يقع عليه الحسن أو يتعلّق به الوهم أو تهواه النفس أو يلبسه الشيطان ، فإنّ كلّ ما يتراءى لهم ليس إلّا آية كاشفة عن الحقّ المتعال لا حجاباً ساتراً ، فيفيض عليهم ربّهم علم اليقين ، ويكشف لهم عمّا عنده من الحقائق المستورة عن هذه الأعين المادّية العمية بعدما يرفع الستر فيما بينه وبينهم ، كما يشير إليه قوله تعالى : ( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) ( المطفّفين : 21 18 ) . وبالجملة : هؤلاء في الحقيقة هم المتوكّلون على الله ، المفوّضون إليه ، الراضون بقضائه ، المسلّمون لأمره ، إذ لا يرون إلّا خيراً ولا يشاهدون إلّا جميلًا ، فيستقرّ في نفوسهم من الملكات الشريفة والأخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد ، فهم مخلصون لله في أخلاقهم كما كانوا مخلصين له في أعمالهم ، وهذا معنى إخلاص العبد دينه لله ؛ قال تعالى : ( الا لله الدين الخالص ) ( الزمر : 3 ) ، وقال : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ( البيّنة : 5 ) ، وقال : ( هُوَ الْحَىُّ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ( الغافر : 65 ) . ومن أوضح مصاديق هذه الطبقة الأنبياء عليهم السلام ، وقد نصّ القرآن